أنت هنا

مذكرات صحفي تركماني الحلقة الثامنة عشرة أحداث عاصرتها في "نادي الأخاء التركماني" ومجلة "الأخاء" ( 3 )

بقلم : حبيب الهرمزي

Hhurmuzlu@yahoo.com

 

  كيف انتقلنا الى استعمال الحروف التركية الحديثة (اللاتينية) في مجلة "الأخاء"

كانت مواد القسم التركي من المجلة منذ بداية صدورها تكتب وتصدر باللغة التركية وبالاحرف العربية. غير ان الهيئة الادارية التي تشكلت بتاريخ 17 نيسان/ ابريل من عام 1964 بادرت في هذا المجال بخطوة ايجابية مهمة جدا، وذلك بمحاولة نشر بعض مواد القسم التركي من المجلة بالأحرف التركية الحديثة (اللاتينية)، سيما وان امتياز اصدار المجلة كان يتضمن اصدارها (باللغتين العربية والتركية). ففي عام 1964 قررت السلطات تجديد امتيازات الصحف والمجلات، ووافقت وزارة الثقافة والارشاد آنذاك بكتابها المرقم 7439 والمؤرخ 27 مايس 1964 على منح ادارة نادي الأخاء التركماني اجازة اصدار مجلة شهرية بإسم "الأخاء" تصدر في بغداد باللغتين العربية والتركية. وكان قرار الهيئة الادارية بنشر القسم التركي من المجلة بالاحرف التركية الحديثة بادرة طيبة جدا من الهيئة الجديدة التي كان بعض اعضائها يتقنون التحرير بالاحرف التركية الحديثة لتخرجهم من جامعات في تركيا مثل الشهيد الدكتور رضا دميرجي والدكتور انور علي (شقيق المرحوم الدكتور مردان علي).

كانت هيئة التحرير الجديدة لمجلة "الأخاء" مؤلفة من رئيس التحرير المسؤول عبد القادر سليمان وسكرتير هيئة التحرير الدكتور انور علي، والاعضاء الدكتور محمد سعيد كتانة والدكتور رضا دميرجي والسيدين احسان صديق وصفي وحسن سداد. وقامت الهيئة في اول عدد اصدرته بعد تسلّمها مهام المجلة بنشر موضوعين على صفحات القسم التركي وبالاحرف التركية الحديثة (اللاتينية). وكان الموضوعان المنشوران على الصفحتين 30 و 31 يخصان قصيدة للشاعر التركي الكبير محمد عاكف ارصوي وباقة من الاشعار والخوريات وبعضا من الامثال الشعبية التركمانية[1]. ولما لم يرد اي اعتراض من السلطات على ذلك، قامت الهيئة في العدد الذي يلي ذلك اي في العدد الرابع الصادر في اغسطس 1964 بنشر ثلاث صفحات في القسم التركي بالاحرف اللاتينية تضمنت قصيدة الشاعر والمتصوف التركي الكبير سليمان جلبي التي تتلى عادة في احتفالات الموالد النبوية، وفي الفترة التي استمرت حتى تاريخ  سيطرة حزب البعث على زمام السلطة في العراق( 17 تموز/ يوليو 1968) زادت الصفحات المنشورة بالاحرف اللاتينية لتصل الى 13 صفحة. ومع ان هيئة تحرير المجلة تغيّرت جزئيا اعتبارا من العدد التاسع للسنة الرابعة الصادر في كانون الثاني/ يناير 1965 بانضمام السيد وحيد الدين بهاء الدين الى الهيئة بدلا من السيد حسن سداد، وحصول تغيير آخر في هيئة التحرير بتسنّم السيد احسان صديق وصفي مهام سكرتارية التحرير وتاليف هيئة التحرير من السادة الدكتور رضا دميرجي ووحيد الدين بهاء الدين ولطيف كوثر، وحصول تغيير ثالث في تركيبة هيئة التحرير اعتبارا من العدد الثالث للسنة السادسة الصادر في تموز 1966 بانضمام شاكر صابر الضابط والمهندس عدنان بياتلي الى هيئة التحرير بدلا من الدكتور رضا دميرجي، وحصول تغييرات اخرى في هيئة التحرير تمثّلت في انسحاب شاكر صابر الضابط ودخول ارشد الهرمزي ضمن هيئة التحرير، وحصول تغيير آخر في هيئة التحرير تم بموجبه تشكيل الهيئة من رئيس التحرير عبد القادر سليمان وسكرتير التحرير احسان صديق وصفي والاعضاء  الدكتور رضا دميرجي وحبيب الهرمزي ووحيد الدين بهاء الدين اعتبارا من العدد 1 و 2 من السنة السابعة الصادر في مايس – حزيران 1967 ،وهي الهيئة التي استمرت على اصدار المجلة مع تغيير رئيس هيئة التحرير (بحلول المرحوم فخر الدين محمد امين اركيج محل المرحوم عبد القادر سليمان الذي تم فصله من عضوية النادي بقرار من السلطات الرسمية) حتى استيلاء انصار حزب البعث على النادي واصدار هيئة التحرير الجديدة العدد 9 - 12  الصادر بتاريخ كانون الثاني – نيسان 1977)، فان المجلة استمرت على نشر المواد على بعض صفحات القسم التركي بالاحرف اللاتينية حتى  في زمن تسنّم حزب البعث زمام السلطة في العراق ، واستمر ذلك حتى العدد 3 و 4 للسنة الحادية عشرة الصادر في تموز – اغسطس 1971. فقد صدر قرار من وزارة الاعلام العراقية تم تبليغه الى ادارة المجلة بكتاب الوزارة المرقم 28505 والمؤرخ 2/10/1971، وتضمن الكتاب منع نشر المقالات بالاحرف اللاتينية والاقتصار على نشر مواد القسم التركي من المجلة بالاحرف العربية. واضطرت هيئة التحرير الى الاذعان لهذا القرار، ونشرت نص القرار في العدد 5 من المجلة الصادر في ايلول من عام 1971 مع تعليق في نفس العدد تضمن ما يلي : (الى قرائنا الاعزاء  ... بناء على ما جاء بقرار وزارة الاعلام المبلغ الينا بكتابها المرقم 28505 والمؤرخ 2/10/1971 فقد توقفنا عن الكتابة بالحروف التركية الحديثة اعتبارا من العدد الحالي، راجين من قرائنا وكتّابنا الافاضل ملاحظة ذلك عند ارسالهم مقالاتهم وكتاباتهم المكتوبة باللغة التركية مع الشكر).

وانطوت بذلك هذه الصفحة وحتى صدور اول عدد من الأخاء بعد الاحتلال الامريكي للعراق في عام 2003.

هل كان قرار فصل 41 عضوا من النادي قرارا صائبا ؟

كانت ايرادات نادي الأخاء التركماني تتألف من بدلات اشتراكات الاعضاء والمنح والتبرعات من الاعضاء والمؤازرين. اما ايرادات المجلة، فقد كانت تتأتّى من بدلات الاشتراك واثمان بيع المجلة في الاسواق والمكتبات ومن الاعلانات التي كانت تنشر في المجلة. وكانت غالبية هذه الاعلانات من الاشخاص والمؤسسات، مع عدد ضئيل من الاعلانات الرسمية. ولم يكن هناك اي مصدر اضافي للدخل الذي يمكن به سد احتياجات النادي المتزايدة. وحينما لاحظت الهيئة الادارية في الاعوام التي سبقت عام 1963 تخلّف عدد من الاعضاء عن تسديد بدلات اشتراكهم منذ انتمائهم الى النادي عام 1960 وما بعدها، عمدت الى توجيه خطابات الى هؤلاء المتخلفين عن التسديد لحثّهم على تسديد تلك البدلات. وقامت الهيئة الادارية لعام 1963 بدورها بتوجيه امثال هذه الخطابات الى الاعضاء المتخلفين عن تسديد بدلات الاشتراك، وتولّت تذكيرهم بحكم الفقرة ب من المادة العاشرة من النظام الداخلي للنادي التي تنص على ان (كل عضو يتأخر عن دفع بدل الاشتراك لمدة ثلاثة اشهر متوالية وبدون عذر مشروع يخطر تحريريا من قبل السكرتير، واذا لم يسدد ما عليه في ظرف شهر من تاريخ الاخطار التحريري يفصل بقرار من الهيئة الادارية ويعلن فصله على لوحة الاعلانات). وكان اخر هذه الخطابات ما تم توجيهه الى الاعضاء المتخلفين عن تسديد بدلات الاشتراك منذ عام 1960 وهو الخطاب المؤرخ 17/5/1963 الذي ورد فيه (ان الهيئة الادارية ستكون ممتنّة جدا لو تفضلتم بمؤازرتها في هذا المجال وتجنيبها تطبيق احكام المادة العاشرة المذكورة التي لا يسرّها تطبيقها مطلقا). وفي اجتماع الهيئة الادارية المنعقد بتاريخ 17/10/1963 قررت الهيئة تطبيق هذه المادة بحق 41 من الاعضاء المتخلفين عن دفع الاشتراكات منذ عام 1960 وفصلهم من عضوية النادي. وتم نشر هذا القرار واسماء المفصولين في العدد السابع – السنة الثالثة من مجلة الاخاء الصادر في شهر تشرين الثاني لعام 1963. وكان ذلك اول وآخر قرار يصدر من النادي بفصل اعضاء اذا ما استثنينا فصل المرحوم محمد الحاج عزت لأسباب عرضتها سابقا وفصل المرحوم عبد القادر سليمان بقرار من سلطة البعث لأسباب سياسية.

احدث قرار فصل هذا العدد الكبير من عضوية النادي ردود فعل كبيرة اختلفت بين مؤيد للقرار ومنتقد له. وكان اعنف نقد وجه للهيئة الادارية هو النقد الذي وردنا بخطاب من المرحوم الاستاذ رشيد كاظم البياتي الذي تساءل "ما الذي جنيتموه من هذا القرار سوى خلق اعداء للنادي". وقد كنت شخصيا احد اعضاء الهيئة الادارية الموقّعة على قرار الفصل آنذاك، ومع انه يقتضي تقييم اي قرار على ضوء المعطيات والظروف التي تصاحب اتخاذه، فاني اتساءل الآن وبعد مرور هذه السنين الطوال على هذا الحادث، واجري نقدا ذاتيا لنفسي فأصل الى نتيجة ان قرار الفصل كان قرارا خاطئا وغير مدروس، وانه كان بالامكان غض النظر عن تخلّف هؤلاء الاعضاء عن اداء واجبهم نحو النادي، وكان من الأجدر على الأقل عدم نشر القرار على صفحات المجلة خاصة وان المادة القانونية من النظام الداخلي لم تكن تلزم الهيئة بنشر هذا القرار، رحم الله من توفي من المفصولين ومن اعضاء الهيئة الادارية التي وقّعت على قرار الفصل، واسبغ على الاحياء منهم جميعا طول العمر، ولعل لهم عذرا ونحن نلوم!         

مهزلة "منح" الحقوق الثقافية للتركمان

كان ذلك فى صباح أحد أيام الجمعة المصادف الرابع والعشرين من شهر كانون الثانى/ يناير من عام 1970، دق جرس الباب الخارجى لداري الواقعة فى حي امانة العاصمة فى الجهة الشرقية (الرصافة) من بغداد، وهرعت الى الباب لأجد أمامى صديقى وزميلي وعضو الهيئة الادارية لنادي الاخاء التركمانى المرحوم الاستاذ جلال النقيب، كان وجهه يطفح بالاثارة والاستغراب الممزوجين بالفرح الشديد، وبادرنى قائلا لقد صدر صباح اليوم قرار من مجلس قيادة الثورة يقضى بمنح حقوق ثقافية لتركمان العراق! وكانت مفاجأة كبيرة لى، ولا استطيع ان اقول اننى لم أسر او افرح لهذا الخبر، ولكنه كان سرورا مشوبا بالاستغراب والحذر بل وحتى الخوف، لم نكن على علم بمثل هذا القرار ولم تفاتح السلطات " كبار رجالاتنا " من أمثال رئيس النادى الدكتور مردان علي أو غيره من المعروفين لدى حزب البعث، بل وان القرار جاء وكأنه حلم يتحقق لأمنية فى اعماقنا، امنية ان تتحسن احوال التركمان فى العراق وان يزال عنهم الضيم والتهميش والمعاناة.

جلسنا لدقائق نتدبر الامر من جميع جوانبه،  ثم سارعنا بالذهاب الى مقر النادى، وكان قرار جميع من توافدوا على النادى أثر سماعهم الخبر هو تأييد هذا القرار واظهار ذلك التأييد عن طريق ارسال البرقيات واطلاق التصريحات وعقد الاجتماعات والمظاهرات المؤيدة، وكانت افكارنا تتردد بين الفرح والسرور وبين الحذر المشوب بالقلق ازاء تطبيقات هذا القرار.

ولا اريد ان اخوض فى المبررات السياسية لاصدار مثل هذا القرار من قبل سلطة حزب البعث الحاكمة انذاك فى العراق، فليس هذا موضع ذلك، سيما وان الكثيرين من الكتاب اسهبوا في تحليلهم لهذه الاسباب السياسية[2]. ولكن يمكن تحليل القرار ببساطة انها اصبع من العسل يضعه الحزب الحاكم فى أفواه التركمان الذين يناضلون في سبيل نيل حقوقهم الثقافية والقومية والسياسية، ولربما كان ذلك بالون اختبار لمعرفة مدى تجاوب التركمان مع الحزب ومبادئه، فلما لم يجد الحزب التجاوب الذى كان يأمل فيه، انفجر البالون وانفجرت معه جميع الحقوق التى اقرّ بها القرار المذكور!

على ان أحد الاسباب المهمة فى نظرى لاصدار هذا القرار، علاوة على الاسباب السياسية الاخرى، هو ان القرار جاء تطبيقا لمبدأ " احتواء " الغير قبل  محاربته والقضاء عليه. فالحزب كان يفضّل " اختراق " جميع المجاميع والتكتلات القومية والسياسية واخضاعها لأهوائها، وكانت تلك فكرة شيطانية وذكية ولكنها عندما لم تفد تطبيقاتها مع الشعب التركماني العراقى، تراجعت السلطة عن بعض تلك القرارات واودعت تطبيق البعض الاخر منها الى من طاوعتهم قلوبهم وضمائرهم ليكونوا ادوات فى تلك " التمثيلية " التى تعنى فى الظاهر اتاحة الفرصة للتركمان لممارسة حقوقهم السياسية والثقافية وغيرها ولكنها فى جوهرها كانت محاولة للقضاء على ثقافتهم وتراثهم ولغتهم وحتى وجودهم وكيانهم.

حزب البعث يعترف عمليا بكون " نادى الاخاء التركمانى " الممثل الحقيقي للتركمان

كان حزب البعث الحاكم فى العراق يعرف تمام المعرفة مدى قوة " نادى الاخاء " وتمثيله لجميع طبقات الشعب التركمانى بما فيهم النخبة والمثقفون والسياسيون وعامة الشعب، وكان كل همه ان يمسك خيوط اللعبة بيده وان يؤمّن تنفيذ الحقوق " الممنوحة " للتركمان بيد رجال من التركمان يطمأن الحزب الى ولائهم له بشكل تام. ولذا فقد بدأ الحزب باجراء مفاوضات ومداولات مع النادى حول كيفية تطبيق قرار الحقوق الثقافية ونطاق هذا التطبيق وآلياته، والاهم من كل ذلك حول هوية الاشخاص الذى سيوكّل اليهم امر تنفيذ هذا القرار. كان القرار يتضمن امورا عدة هي باختصار: التدريس باللغة التركمانية[3] ، تأسيس اتحاد الادباء التركمان، اصدار جريدة ومجلة باللغة " التركمانية "، تأسيس مديرية الثقافة التركمانية، وادارة القسم التركمانى في اذاعة بغداد.

بدأنا في النادى بعقد اجتماعات متتالية للهيئة الادارية واجتماعات موسعة اخرى للتداول حول الموقف الذى سنتخذه لتحقيق اقصى فائدة من محتويات هذا القرار. وتولّت وزارة الثقافة والارشاد من جهة ومؤسسات حزب البعث من جهة اخرى الاتصال بنا لاجراء المداولات الاولية حول تطبيق القرار. وكان اهم ما انصبّت المداولات حوله هو تأسيس " اتحاد الأدباء التركمان " والهيئة التى ستتولى اصدار الجريدة والمجلة المزمع اصدارهما. اما بالنسبة للمدارس التركمانية، فقد عهد الحزب الى مدراء التربية فى كركوك واربيل والموصل وديالى وبغداد أمر تأسيس هذا المدارس وتسميتها واختيار أعضاء الهيئة التدريسية (المعلمين) وتحديد المناهج والمفردات بما يتطابق مع برامج ومفردات وزارة التربية.

وفى احدى الامسيات من شهر شباط لعام 1970 تم عقد اجتماع موسع فى غرفة ادارة النادى الكائنة فى العيواضية (البناية القديمة)، وحضر الاجتماع السيد ابراهيم الداقوقى ممثلا رسميا عن وزارة الثقافة والإرشاد، اى انه كان اجتماعا رسميا، يحاول التوصل الى الخطوط العريضة التى كان الحزب يحاول امساك اطرافها ويحاول اعضاء النادى نفس الشئ فى مقابل ذلك. 

وتم خلال الاجتماع طرح اسماء غير معروفة قاطبة لدى الطبقة المثقفة من التركمان من ادباء وشعراء وكتّاب على انهم سيشاركون فى هذه الفعاليات، اما لقلّة انتاجهم الأدبى او لعدم تواصل هؤلاء مع نشاطات كل من النادى ومجلة الاخاء. واقترح ابراهيم الداقوقى تشكيل الهيئات بشكل ائتلافى اى خليط يضم جماعة البعث وجماعة النادى سواء بسواء، مشيرا الى انه سيعمل بدوره فى هذه النشاطات باعتباره كاتبا وصحفيا معروفا بين التركمان. واحتدّ اوار المناقشات، وكان هناك اجماع لدى ممثلى النادى بعدم ترشيح من لا يكون " اديبا وكاتبا " بالفعل ومن لا يكون مقبولا لدى الرأى العام التركمانى.

ولما اوضح " الداقوقى " ان ما يراه هو رأى الوزارة ولا مناص من الامتثال لرأى الوزارة، بدأت خطوط التواصل تنقطع وسمع " الداقوقى " أقوالا لا تسرّه ولا تسرّ وزارته. كان اخرها ما وجهته انا من كلام الى " الداقوقى " الذي كانت لى معرفة وثيقة وان كانت جديدة به، ذلك ان ابراهيم الداقوقى كان يساعدنا فى تمرير مسودات مقالات مجلة الاخاء من الرقابة المسبقة، اذ كان هو الذى يتولى هذه المسؤلية لفترة غير قصيرة.

واذكر اني وجهت كلاما الى " الداقوقى " بهت له الجميع واحمر وجه الداقوقى وبدأ يتكلم بانفعال وبصوت رفيع كان يمتاز به عند غضبه او انفعاله. قلت لابراهيم الداقوقى بالحرف الواحد: انت تقول يا ابراهيم " انني من ضمن من سيتولون امر تشكيل وادارة اتحاد الادباء وكلكم تعرفوننى فاننى واحد منكم" ولكنى اقول لك وبصراحة : " كنت اتمنى ان يختارك مثقفو وادباء التركمان لتشغل هذا المنصب لا ان تفرضك وزارتك علينا، ما الذى ستفعلونه ان رفضنا التعاون مع اناس غير موثوق بهم ولا يصلحون لهذه المهمة؟ لا ادري، ولكننى ادري ما الذى سنفعله نحن : سوف لا اكون عضوا فى اتحادكم، وسوف لا اخرج من جيبى عشرين فلسا لاشترى به الجريدة التى ستصدرونها، وسوف اقفل مفتاح الراديو ولا استمع لما ستذيعونه من القسم التركمانى. اهذا الذى تبتغونه؟ هل ان فرض الاسماء يساهم فى التعاون بين الطرفين؟ واستشاط الداقوقى غضبا واراد ان يترك الاجتماع لدى سماع هذه الاقوال الجارحة من صديق له، وقاطعنى لمدة سنتين بعد هذا الاجتماع المثير.

وكانت المجابهة الثانية مع حزب البعث وانصاره من التركمان حول تشكيل اتحاد الادباء التركمان. وقد تم ذلك فى عرين الاسد اى فى احدى مقرات الحزب وتحديدا فى عمارة " الحياة " الكائنة مقابل او قرب القصر الجمهورى والمخصصة لنشاطات حزب البعث! ففى احدى امسيات ذلك الشهر كنت فى مقر الوزارة التى كنت اعمل فيها مشاركا فى احد الاجتماعات الدورية التى كانت تعقد برئاسة الوزير. واذا باحد الموظفين يهمس فى اذنى بان " الدكتور مردان على " يريدك حالا أمام باب الوزارة. استأذنت من الوزير لأمر طارئ وهرعت الى الشارع لأجد سيارة فيها الكتور مردان علي وشقيقه الدكتور انور علي والاستاذ عبد القادر سليمان والدكتور رضا دميرجى. وانطلقنا نحو " عمارة الحياة ". واعلمنى الدكتور مردان علي ونحن في السيارة بوجود اجتماع مع اعضاء من حزب البعث حول تشكيل " اتحاد الادباء التركمان ".

جلسنا فى قاعة فسيحة على منضدة اجتماعات فى احد طرفيها ممثلو حزب البعث وفى الطرف الثانى ممثلو " التركمان "، واصطفت فى جانب الجدار وقرب باب الدخول عدد من الكراسى يجلس عليها اربعة او خمسة من الشباب علمنا فيما بعد انهم من " التركمان الموالين لحزب البعث ". ترأس الجانب الحزبى السيد مرتضى الحديثى، وترأس الجانب التركمانى الدكتور مردان علي، وكان موضوع الاجتماع  تشكيل " اتحاد الادباء التركمان ". حاول الجانب البعثى فى حواراته التى دامت ساعتين ونصف الساعة اقناع الجانب التركمانى بتشكيل هيئة " ائتلافية " تضم الجانبين، وكان موقفنا واضحا وصريحا ويتلخّص فيما يلى: اذا كان الحزب يؤمن حقا بالإقرار بحقوق ثقافية للتركمان، ينبغى ان يكون تطبيق ذلك على يد من يختارهم الشعب التركمانى نفسه وان يكون أعضاء الاتحاد من الادباء الحقيقيين المعروفين لدى الجماهير والذين لهم نتاجات ادبية وشعرية وصحافية على قدر من الرصانة. وقال احدنا : انتم تقترحون اسم شخص هو خريج دراسة ابتدائية وشبه أمى، فكيف ترضون ان يمثل مثل هذا الشخص فطاحل ادباء وشعراء التركمان وهم بالعشرات بل بالمئات. وايّد مرتضى الحديثى هذا الكلام قائلا ان ذلك لا يجوز طبعا. وهنا قام احد الجالسين على الكراسى الجانبية من مكانه وهمس فى اذن "رئيسه" ان الشخص الذى يعترضون عليه هو من جماعتنا، واستطعت ان اسمع هذا الهمس لانني كنت وبالصدفة جالسة قبالة "الرئيس" مباشرة، وهنا بدأ المسؤول البعثي يتغير موقفه قائلا : ولم لا، قد يكون لهذا الشخص مواهب، فلنعطه الفرصة !.

وانفضّ الاجتماع دونما نتيجة ايجابية، بعد ان رفضنا اقتراح الجانب البعثى بتشكيل الهيئة الائتلافية لمدة سنة واحدة، يجرى بعدها اجراء انتخابات نزيهة لإختيار اعضاء الاتحاد ! وتم تشكيل " اتحاد الادباء التركمان " على النحو الذى يرتضيه الجانب الاقوى طبعا، ولم يقبل اكثرنا الانضمام الى مثل هذا " الاتحاد ". أما الدراسة التركمانية فمصيرها معلوم لدى القراء الاكارم، اذ التفّ حزب البعث على قرار تدريس اللغة " التركمانية " وقام بغلق المدارس التركمانية بحجج واهية أبرزها " ان أولياء امور الطلبة التركمان لا يرغبون فى تدريس أبنائهم باللغة التركمانية " ! وكان ما كان من الاضراب العام للطلبة واغلاق المدارس فى كركوك وفي سائر المناطق التركمانية لمدة ثلاثة أيام، وما تلى ذلك من اعتقالات وزج الطلاب والمعلمين فى سراديب حزب البعث، واستشهاد الممثل الناشئ حسين دميرجي الذى اشتهر بأسم " تمبل عباس " رحمه الله، على يد رجال أمن حزب البعث.

اغلق حزب البعث المدارس التركمانية والغى التدريس بلغة الأم، لأنه لم تكن له منفعة ما فى ذلك، ولأن الحزب لم يكن جادّا أصلا فى استمرار هذا التعليم. أما اتحاد الادباء وجريدة " يورد " ومجلة " صوت الاتحاد " فقد ابقى الحزب عليها ليكون كل منها بوقا يصدح بأسم الحزب ويقوم بتمجيده ليل نهار وكان ذلك تطبيقا لخطة " الاختراق والاحتواء " التى كان الحزب يطبقها دائما.

هل كنا صائبين فى مقاطعتنا لأتحاد الادباء ولجريدة يورد ومجلة صوت الاتحاد وللقسم التركمانى من اذاعة بغداد بعد ان تحول كل منها الى اداة للدعاية للبعث ومحاولة استقطاب التركمان للايمان بافكار الحزب وللانتماء اليه او على الاقل مساندته والسير وفق نهجه؟ أم الذين شاركوا فى نشاطات هذه المؤسسات باعتبار الخضوع للأمر الواقع واقتطاع ما يمكن اقتطاعه من حقوق لصالح الشعب التركمانى؟ الواقع ان هذه الفئة كانت على شاكلتين: الاولى هي الفئة التى كانت قد باعت ضمائرها لحزب يحاول انهاء الوجود التركمانى فى العراق، ورضت بان تكون خدما لهذه الجهات لقاء فتات من المنافع الشخصية من اموال او رواتب او امتيازات او مواقع وكراسى. أما الفئة الثانية فلم يكونوا من النفعيين، ولم يكونوا ممن باعوا ضمائرهم، بل انهم انطلقوا من فكرة الخضوع للامر الواقع والتعاون مع العدو لمنع سحقه للشعب التركمانى، والوصول الى مركز يستطيعون معه ان يخدموا شعبهم. هل كان هؤلاء على حق؟ اننى شخصيا لم اكن ولا ارى الان ذلك رأيا صائبا، لأن القبول بذلك كان سيجرّ عامة الشعب الى الخذلان وترك الصراع باعتبار ان كبار القوم قد فعلوا ذلك فلم لا يفعلوا مثلهم. كان ذلك ولا زال رأيي الشخصى، وقد تبين صدق ذلك. فقد تم سحق البعث ومن والاهم من الامّعات وانتصر الشعب، وان كان انتصاره هو مجرد انتقال الى مرحلة ثانية من الصراع لنيل الحقوق المهضومة التى لاشك فى نيلها ولو طال بنا الزمن.

 

 

[1]  - انظر الصفحتين 30 و 31 من العدد الثالث للسنة الرابعة الصادر بتاريخ تموز/ يوليو من عام 1964.

[2] - انظر: ارشد الهرمزي، التركمان والوطن العراقي، الدار العربية للموسوعات، طبعة ثالثة منقّحة، بيروت 2005، ص: 114- 119. وانظر- مقالنا " مهزلة الاقرار بالحقوق الثقافية" المنشور في جريدة "صوت التركمان" الصادرة في المانيا في العدد 5، مايس 2002، ص 2. 

 

[3]  - "اللغة التركمانية" تعبير غير علمى وخاطئ، والصحيح القول "اللغة التركية" او "اللهجة التركمانية".