أنت هنا

قراءة في كتاب خبير الأثار والمخطوطات الاستاذ محسن حسن علي الأخيرة... دُرر من المخطوطات التركية في دار المخطوطات العراقية

محمد عمر قازانجي

 

المخطوطات ثروة لا تقدر بثمن لأنها تتضمن تأريخ الامة وتراثها وتبين مدى ثراء ذلك التأريخ والتراث، مثلما تعكس جهد الامة وما قدمته لابنائها وللبشرية من خدمات في المجال الفكري والمعرفي أو ما رفدته واغنته من علم ينتفع منه. والمخطوطات هي تلك المؤلفات والمصنفات التي وضعها العلماء والباحثون قبل ظهور الطباعة، ولاسيما الحديثة منها، أو بعده بقليل. ولان عمر الطباعة في بلادنا لا يتجاوز 200 سنة، فان ما تم تدوينه قبل هذا التأريخ كان مخطوطا باليد، من هنا تسمية تلك الكتب والمصنفات بالمخطوطات. وهي على قدر كبير من الاهمية، حتى يمكننا ان نقول ان الامة أمةٌ بحجم المخطوطات التي تمتلكها، والامة بغير ذلك ليست امة. والحفاظ على المخطوطات وصيانتها واجب مقدس. أما فهرستها وتحقيقها ودراستها ونشرها فهي مهمة اخلاقية نبيلة تقع على عاتق المهتمين بها كلا حسب اختصاصه. مهمة لابد من القيام بها قبل ان تندثر تلك الاثار القيمة وتفقد الامة ثروة نادرة ربما تندم عليها. ولأهمية هذا الامر، يرى البعض ان الحفاظ على المخطوطات وتحقيقها ونشرها، ولاسيما الدينية منها، من فروض الكفاية على الباحثين المعنين، بحيث لو قدر أنه لم يقم به أحد فالاثم واقع على الجميع.

وقد انتج الاتراك / التركمان في العراق على مر العصور كما هائلا من الاثار الفكرية والمعرفية التي وصلت الينا على نحو مخطوطات في مختلف المجالات، منها اللغوية والادبية والتأريخية والعسكرية و الدينية والعلمية وغيرها. وبعض تلك المخطوطات ما زالت موجودة في خزانة الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية التابعة لوزارة الدولة لشؤون السياحة والآثار وفي غيرها من المؤسسات العلمية العراقية كالمجمع العلمي العراقي ومكتبة الاوقاف العامة على سبيل المثال.

تعرض معظم تلك الاثار الى الاهمال المتعمد احيانا، لا لشىء الاً لكونها تمثل تراث التركمان في العراق وتثبت حقيقة وجودهم عنصرا اساسيا في هذا البلد، وذلك من قبل الحكومات المتعاقبة التي ارادت تهميشهم وطمس هويتهم بالوسائل كافة. غير ان أحد أبنائه البررة أبى الاّ أن تبقى هذه المخطوطات شاهد عيان على دورالتركمان في العراق وما قدموه من اجله ومن اجل اعلاء شأنه.. انه الاستاذ محسن حسن علي، خبير الاثار العراقي والذي عمل في مجال المخطوطات في الهيئة العامة للاثار والتراث حقبة طويلة من الزمن، فاستثمر وجوده هناك وقام بتثبيت جميع المخطوطات المكتوبة باللغة التركية. ثم اطل علينا بخمس مؤلفات قيمة للتعريف بها وهي:

  1. مخطوطات التأريخ المكتوبة بللغة التركية في دار المخطوطات العراقية
  2. مخطوطات الأداب المكتوبة باللغة التركية في دار المخطوطات العراقية
  3.  المخطوطات اللغوية المكتوبة باللغة التركية في دار المخطوطات العراقية
  4.  المخطوطات الدينية  المكتوبة باللغة التركية في دار المخطوطات العراقية
  5. مخطوطات الفلك والطب والعسكرية المكتوبة باللغة التركية في دار المخطوطات العراقية

ولئن كان الاستاذ محسن حسن علي قد طبع الكتابين الاول والثاني سنة 2007 على حساب دائرة الدراسات والبحوث التابعة للهيئة العامة للاثار والتراث عندما كان يعمل موظفا فيها، الا أنه آثر ان ينشر كتبه الثلاثة الاخيرة على نفقته الخاصة فأصدرها من مطبعة السيماء في بغداد، لعدم وجود جهة تتبنى هذا الموضوع رغم حيويته واهميته العلمية البالغة، ولإيمان المؤلف بضرورة ان يضع ما توفرت لديه من معلومات في هذا المجال، في متناول الباحثين قبل فوات الآوان.

وقد سبق لي وان تناولتُ الكتابين الأول والثاني في مقالة مطولة، نشرتْ في مجلتي الاخاء وتوركمن ايلي الادبية، معرفا بهما وما يتضمنان من معلومات عن الثروة الفكرية التركمانية. فسارع عدد من المهتمين بالموضوع باقتناء عدد من المخطوطات المذكورة فيهما، من دار المخطوطات العراقية لدراستها، منهم الاستاذ القدير المرحوم عطا ترزي باشى والدكتور صبحي ساعتجي وعدد من الطلبة التركمان ممن يدرسون في الجامعات التركية. وساتناول في هذه المقالة الكتب الثلاثة الاخرى. وهنا لابد لي ان استدرج للاشارة الى أن الاستاذ محسن حسن علي قد قام هو بنفسه بتحقيق مخطوطة مهمة من هذه المخطوطات تتضمن القصة الشعبية التركمانية المعروفة (آرزي قمبر) ونشرها سنة 2015.

  • المخطوطات اللغوية المكتوبة باللغة التركية:

ويتضمن هذا الكتاب تعريفا بالمخطوطات الموجودة في دار المخطوطات العراقية والمتعلقة باللغة، قواعدها وصرفها واعرابها، وترجمة الكلمات من العربية الى التركية والفارسية وبالعكس، وتعليم هذه اللغات، فضلا عن المعاجم والقواميس. ويشتمل على 112 مخطوطة، يشير المؤلف الى كل ما لها علاقة بها، بعناية ودقة وباتباع اسلوب علمي رصين، من اسم المخطوطة واسم المؤلف، واول واخر ما ترد فيها، والفصول التي تتضمنها، ونوع الخط المتعمد في كتابتها او نسخها وتأريخ النسخ، وما فيها من الهوامش أو الحواشي من شروحات وزخارف، وقياساتها من حيث عدد الصفحات وعدد الاسطر في كل صفحة،علاوة على أبعاد المخطوطة. مما يؤكد أن الاستاذ محسن حسن علي، كان في منتهى الامانة في نقل صورة حقيقة عن كل مخطوطة، تشجيعا وترويجا للاستفادة منها من قبل الدارسين والباحثين والمحققين. ولم يهمل الاشارة الى الفهارست التي ذكرتْ مثيلاتها مثل فهرست سركيس والخديوي وكوبرلي وغيرها.

 ويلاحظ من الكتاب ان بعض هذه المخطوطات مترجمة من اللغة العربية من قبل المعنين بالامر من التركمان مثل (كركوكلي ولد) الذي ترجم عن (ابن هشام الانصاري) النحوي المصري المعروف  (الاعراب عن قواعد الاعراب) و(نزهة الطرف عن علم الصرف)، وعن (الزمخشري) الاديب النحوي المعروف أيضا (الأنموذج في النحو). كما يتضمن الاشارة الى مخطوطات نادرة للغاية مثل (بحر المعارف) للعلامة (سروري) صاحب (الحواش الكبرى) و(الحواش الصغرى) و(شرح البخاري).

ومن سياق المعلومات الموجودة في الكتاب نفهم أن الاقدمين كانوا يطلقون على الكتب التي تتضمن معلومات قيمة بـ (بالتحفة) مثل (تحفة شاهدي) الذي وضعه ابراهيم بن صالح المتخلص بـ (شاهدي) وهي منظومة مشهورة في اللغة، في كيفية تعلم الفارسية باللغة التركية، مرتبة حسب التفاعيل، ألفها  سنة 1514 م.  وله عدة مؤلفات منها (كلشن توحيد). وثمة اشارة في الكتاب الى وجود اكثر من عشرة نسخ من (تحفة شاهدي) في دار المخطوطات العراقية نسخت في فترات مختلفة وقي اماكن مختلفة. مما يشير الى رغبة الناس بها واقبالهم عليها لاهميتها. وقد اشار احد الناسخين الى هذه الاهمية ببيت شعري هو (بو كتابي ئوكره ن إيج آب حيات) الذي يعني (ان طالعت هذا الكتاب غدوت كمن شرب أكسيرالحياة ). ولاهميتها ايضاُ فقد قام عبدالقادر بن عمر البغدادي بترجمتها بـعنوان (ترجمة تحفة شاهدي). وقام بشرحها أكثر من مهتم باللغة واسموها (شرح تحفة شاهدي). وعدد نسخ هذه الشروحات في دار المخطوطات يصل الى تسع نسخ . ومن مثيلات هذا الكتاب (تحفة حسامي) لحسام الدين محمد فدائي. وهي منظومة في اللغة أيضا سبق تأليفه تأليف (تحفة شاهدي) بل أن هذا الأخير هو نظير للأول. وكلا المؤلفين، حسامي وشاهدي، من مدينة موغلا التركية. و(تحفة الهادي) وهي من تأليف محمد بن حاج ألياس. و(تحفة وهبي) الذي يعود الى الشاعر محمد بن رشيد القاضي المتخلص بـ (وهبي) والمشهور بـ (سنبل زاده). ويذكر لنا المؤلف أن نسخة من هذه المخطوطة قد تم تحقيقها في تركيا، وانه يتوفر منها في دار المخطوطات العراقية خمس نسخ تتفاوت في عدد صفحاتها. و(تحفة الملوك) وهي مخطوطة في شرح (تحفة شاهدي) أيضاً موضوعة من قبل عبدالرحمن بن عبدالله الخلوتي.

ويبدو أنَ ما لم تكن تسمى (تحفة) من كتب اللغة كانت تسمى (رسالة) على ما جرت عليه عادة المؤلفيين اللغويين في تلك الفترة. إذ يجد القارىء بين دفتي هذا الكتاب عددا غير قليل من (الرسائل) اللغوية، منها (رسالة في اللغة) للفقيه اللغوي عبداللطيف بن عبدالعزيز بن أمين المعروف بـ (ابن مَلَك) أو (فريشته اوغلي) والتي تتوفر منها في دار المخطوطات العراقية سبع نسخ كما يذكر الاستاذ محسن حسن علي في كتابه. وهي رسالة شعرية نظمها فريشته اوغلي لابنه عبدالرحمن، تحتوي على ثلاثة وعشرين قصيدة على بحور مختلفة، يتضمن كل بيت فيها مجموعة كلمات بالعربية وما يقابلها بالتركية. فالقطعة الأولى على بحر الرمل وتبدأ بالبيت الآتي:

خبز: أتْمك/ قُبل: أوپمك – زرع: أكمك / قُول: غلام

خلق: يراتماق/ خَرق: ييرتماق – اولو: همام

وقد اوردتُ هذا البيت لأني تعلمتُ منه مفردة جديدة - قديمة وهي (اتمك) التي سببت لي ارباكا يوما في فهم بيت قرأتها في كتاب العلامة المرحوم عطا ترزي باشى (كركوك شاعرلري / شعراء كركوك / الجلد 5 / صفحة 71 ) للشاعر سليمان وهبى والذي يقول فيه:

صداقت صاحبى احبابنه عرض ايله احوالين

(طوز اتمك) حقنى فهم ايتمه ين نادانه يالوارمه

فتعلمتُ منه ان المقصود بـ (طوز اتمك) هو (طوز اكمك) وان الكلمة في اصلها (اتمك) وليس (اكمك) كما ترد في (رسالة اللغة) لفريشته اوغلي والذي له في دار المخطوطات كتابان آخران هما (سبحة الصبيان) و(منظومة ورسالتين في اللغة).

ويطالعنا الكتاب بمجموعة نادرة من مخطوطات القواميس والمعاجم. منها ما ترد تحت تسمية (لغة فلان) مثل (لغة نعمة الله) و(لغة لامعي) و(لغة نوائى) ولكل منها في دار المخطوطات العراقية عدد من النسخ. ومنها ما ترد تحت تسمية (معجم لغوي) او (معجم المعاني) ونقرأ في احد هذه المعاجم مفردات عربية اورد المؤلف معانيها التركية بدقة متناهية مثل (ابط / قولتوق - أحول / شاشي - أعقد / پلتك ) مما يؤكد ان مؤلفي هذه المخطوطات كانوا على دراية عالية وتامة بالعربية والتركية يمكن الاعتداد بها والاعتماد عليها. ومن اكثر هذه المعاجم التي تستوقف القارىء هي تلك التي تحمل عنوان (قاموس الاختري) سواء بعدد النسخ المتوفرة منه في دار المخطوطات والذي يبلغ سبع نسخ، أو بعدد صفحاته التي تتجاوز ألف صفحة في بعض النسخ. وتحتوي اربعين الف مفردة وما يقابلها بالتركية. وتعود هذه المخطوطة القيمة الى مصلح الدين مصطفى بن شمس الدين المعروف بـ (أخترى) وهو من "قره حصار" التركية وكان يجيد اللغة العربية وله فيها مؤلفات. يقول الاختري في تأليف القاموس ( لما رايت رغبة العلماء في درك المعاني النقلية والعقلية الى معرفة اللغات العربية كثيرة، واحتياجهم اليها شديدة، اردت ان اجمع في هذه الاوراق كلمات عربية مما كثر وقوعها وعسرت عثورها، فالتقتطها من صحاح الجوهري والدستور والتكملة والمجمل والمغرب والمتقدمة وغيرها من المصنفات المعتبرات في فن الألفاظ واللغات ورتبتها على الابواب والفصول بعدد حروف التهجي والاصول، وفسرت معانيها وقررتها بلسان اهل هذه الديار، ليسهل عليهم المطالعة والفهم بلا استفسار.... ) ويذكر أن هذا القاموس قد طبع عدة مرات. إذ يذكر الاستاذ محسن حسن علي انه طبع في دار الطباعة العامرة في استنابول سنة 1242 هجرية لاول مرة. وحسب ما تتوفر لدينا من معلومة انه اعيد طبعه سنة 1292 هجرية في مطبعة علي بك في زمن السلطان العثماني عبدالعزيز لوضعه في متناول اكبر عدد من طلاب العلم.  

ومن باب الامانة العلمية يذكر لنا الاستاذ محسن حسن علي في كتابه، أن القارىء قد يجد بعض الاخطاء الإملائية أو النحوية عند ذكر أول أو آخر بعض المخطوطات، مبررا ذلك على ان المعلومات التي ترد في الكتاب قد تم نقلها من المخطوطات نفسها كما هي، من دون اجراء تصويبات او تعديلات عليها. ونعتقد ان هذه الاخطاء تعود الى النساخ اكثر من كتّاب تلك المخطوطات.

  

  • المخطوطات الدينية المكتوبة باللغة التركية:

يقع هذا الكتاب في 226 صفحة.  ويتضمن 113 مخطوطة، صنفها المؤلف في خمسة فصول هي: القرآن الكريم واسماء الله الحسنى والمولد النبوي والاحاديث الشريفة والأدعية. إذ يتناول في الفصل الاول المخطوطات التي تتضمن القرآن الكريم أوبعض سوره واياته، اوتفسيرا له او لبعض اجزائه أو ترجمته الى التركية، ومنها تلك الترجمة التي يقول المؤلف عنها في صفحة 21 من الكتاب ، بانها تقع في 1114 صفحة حيث ذكرت تحت كل مفردة من مفردات القرآن معانيها بالتركية وبخط ناعم جميل مع التحريك التام.

ومن المخطوطات النادرة في هذا الباب، تفسير القران الكريم من سورة تبارك الى آخر القران الكريم للسيدة فاطمة بنت مصطفى، والمؤلفة من  186 صفحة. وتكمن اهمية هذه المخطوطة في انها تعود الى إمرأة، تأليفا ونسخاً. وهي المخطوطة الوحيدة من هذا النوع في جميع ما ادرجه الاستاذ محسن حسن علي في مؤلفاته الخمسة عن المخطوطات المكتوبة باللغة التركية في دار المخطوطات العراقية. ومن الاسطر الاخيرة للمخطوطة نفهم أن هذه السيدة الفاضلة من كركوك وانها كانت تسكن بغداد يوم فرغت من كتابة المخطوطة سنة 1231 هجرية (1816 ميلادية).

ومن الاعمال الجميلة في هذا السياق (تفسير القرآن الكريم) لابن (طاش كوبري زاده) وهو حاشية عل تفسير البيضاوي المسمى (انوار التنزيل في اسرار التنزيل). و(زبدة آثار المواهب والانوار) الذي كتبه احمد بن عبدالله الناصح البغدادي المشهور بـ (غراب زاده) وكان إماما في جامع عبدالقادر الكيلاني. وقد نوه عن هذه المخطوطة آخرون من المعنيين بالأمر منهم المرحوم المحامي عباس العزاوي في كتابه تأريخ الادب التركي في العراق.  

ويتضمن بعض مخطوطات التفسير شيئا من الادعية باللغتين العربية والتركية واسماء الله الحسنى وشرحا لاساليب التجويد وقواعد رسم الكلمات القرآنية. وهناك مخطوطات مستقلة في خواص بعض السور القرانية وفوائد تلاوتها، منها (سر منافع القرآن واسماء الله الحسنى) التي تعود الى (بلبل زاده) من مدينة "كوتاهيا"، والتي تحتوي أيضاً على كتاب (البرق اللامع والغيث الهامع) للشيخ القاضي ابي بكر الفناري وخواص سورة الفاتحة لابي حامد الغزالي.

وفي الفصل الثاني من الكتاب نطالع المخطوطات التي تتناول اسماء الله الحسنى وهي ست مخطوطات، تتضمن شرائط اسماء الله الحسنى وشرح معانيها، منها (شارقة الانوار) الموضوعة من قبل درويش صبحي بروسلي في القرن السادس عشر الميلادي والتي تتضمن الى جانب قصائد في نعت الرسول والخلفاء الراشدين والامامين الحسن والحسين، مقدمة في شرح اسماء الله الحسنى نظماً. و(شرائط اسماء الله الحسنى) لـ (اق حصاري) ألياس بن عيسى بن مجد الدين. وهذه المخطوطة منظومة أيضا في اسماء الله وشرحها ،اسم واحد في كل منظومة. وفيها توضيح لسبب نزول الايات التي تؤكد على أسماء الله الحسنى وتدعوا المسلمين الى الدعوة بها.

والفصل الثالث من الكتاب يشتمل على ما تتوفر من المخطوطات في دار المخطوطات العراقية والتي لها علاقة بالرسول الكريم (ص) من ولادته وحياته ومعراجه ومعجزاته ومناقبه، اما نثرا أو نظماً. وابرز هذه المخطوطات هي (حلية النبي) الذي وضعه محمد بن عبد الجليل المتخلص بـ (خاقاني) في 1599 ميلادية وقدمها الى الصدر الاعظم في ذلك الوقت، والتي تتضمن قصيدة مطولة عن اوصاف الرسول (ص) بما روي على لسان الامام علي عليه السلام وحديث الرسول (ص) في فضل معرفة أوصافه (من رأى حليتي من بعدي فكأنما رآني... ). ويذكر أن عددا من الشعراء قد كتبوا في حلية النبي أيضاً، مقلدين خاقاني وسائرين على نهجه، منهم (نوازي) و(عارف الرومي).

وفي معجزات الرسول الكريم (ص) ومدحه ومعراجه ومناجاته يذكر لنا المؤلف اكثر من عشرين مخطوطة، بينها مجاميع تشتمل على اكثر من موضوع من هذه المواضيع، لشعراء وكتاب من تلك الازمنة التي كان الانسان يكابد بكل ما لديه حتى يحافظ على تراثه من الضياع. ففي مجموعة (في المولد والمعراج النبوي) نجد عددا من القصائد الشعرية لكل من (اديب افندي)  وهو محرر (الوقائع العثمانية) ومن رجال الدولة ، و(شمس الدين سيواسى) وهو مؤسس شعبة الشمسية في الطريقة الخلوتية الصوفية، و(الحاج عزت باشا) الذي نال مرتبة المارشال العسكرية وتولى مناصب ادارية في غير ولاية عثمانية. والشاعر ابراهيم بن درويش عثمان الاضرومي الملقب بـ (حقي) وهو من كبار شعراء الصوفية وله فيها مؤلفات. وفي مجموعة أخرى هي (في المعراج والمناجات) نطالع اسماء معروفة اخرى أمثال (اسلامي) و(نجار زاده) وغيرهما. ويورد الاستاذ محسن حسن علي، في كل موضع من كتابه شيئا من الابيات الشعرية من هذه المخطوطات، تدل على روعة المخطوطات وقيمتها الادبية والعلمية.

اما الفصلين الاخرين من هذا الكتاب فقد خصصهما المؤلف للمخطوطات المتعلقة بالاحاديث القدسية والنبوية الشريفة وتلك التي تخص الادعية. ويلاحظ ان معظم المخطوطات التي تخص الاحاديث تحمل عنوان ( قيرق حديث / اربعون حديثا) تتضمن نقلا لاربعين حديثا مع ترجمتها وشرحها على نحو مختصر احيانا أو بشكل مفصل ومسهب أحيانا أخرى من قبل علماء وفقهاء معروفين. وللرقم أربعين مكانة من نوع خاص في عقيدة المسلمين لما ورد ذكره في القرآن وفي السنة النبوية في أكثر من موضع واحد، من هنا التأكيد على اختيار أربعين حديثاً في مثل الانجازات العلمية تبركا بهذا الرقم وإيمانا باعجازه.

 وتغطي مخطوطات الأدعية حيزا واسعاُ من الكتاب يقدّر بحوالي  ثلاثين صفحة تتضمن 18 مخطوطة، معظمها تحت تسمية الادعية. والادعية منها العامة ومنها ما يتم ترديدها في  مناسبات دينية بعينها. وثمة نصوص من الادعية منقولة عن النبي أو آله أو اصحابه أو من الاولياء والصالحين بعناية فائقة. ومن أشهرها (دعاء نامة) وهي من الآثار القيمة لشيخ الاسلام ابو السعود الرومي. جمعها من الاحاديث الصحيحة والآثار المنقولة وذلك بتكليف من الوزير الاعظم علي باشا. وهي مرتبة على مقدمة وسبعة ابواب. يورد أبو السعود في المقدمة تعريف الادعية وفضائلها وشروطها واوقات قبولها وعلامات القبول. أما أبوب المخطوطة السبعة الاخرى فتتضمن الادعية مقسمة على عدة مجاميع، منها ادعية السفر والخوف والكوارث والاكل وحفظ المال والنفس والاهل وادعية الصوم والعيد وليلة القدر ويوم عرفة وادعية الصلوات وغيرها.

 

  • مخطوطات الفلك والطب والعسكرية المكتوبة باللغة التركية:

وهذا الكتاب فريد من نوعه أيضا بما يفصح عن المخطوطات المتعلقة بالفلك والطب والعسكرية الموجودة في خزانة دار المطبوعات العراقية في 234 صفحة. ويتضمن 170 عنوناً معظمها في الفلك بعلومه العقلية والنقلية وضروبه الخيالية والخرافية. فثمة كتب مخطوطة في (استخراج الاحرف) و(علم الرمل) و (الفراسة) و(النجوم) و(كفاية الوقت) و(الكواكب السبعة)، ثم بعض الرسائل، منها (رسالة الاسطرلاب) و(الشمس والقمر) و(علم الاسماء) و (الابراج) و(الارصاد) و(أشهر السنة) و (تأثير النجوم) و (التنجيم) و(جلب الحبيب) و(الفال) و(المحبة) وغيرها. اما في فصل الطب فثمة مؤلفات جديرة بالتوقف عندها والامعان فيها، ولربما ضرورة تحقيقها واخراجها ووضعها في متناول المهتمين بها، منها (جامع مفردات الادوية والاغذية) وهي مخطوطة مترجمة من كتاب ابن البيطار و(كتاب في الامراض الجلدية) واخر (في الامراض العصبية) وكلاهما لمؤلف غير معروف إسمه مظفر. يتضمنان رسومات توضيحية مطبوعة. و(كتاب في العقاقير الطبية) لملا عبدالله بن محمود الكركوكلي الشهير بـ (طبيب اوغلو) وغيرها.

ولا يخلو هذا الفصل من مخطوطات تتضمن تحضيرالرقية في معالجة المصابين بحالات خاصة، أوتحضير المعاجين (الادوية) الشعبية ولاسيما من الاعشاب والتي تعتمد الخبرة المتوارثة في هذا المجال أكثر من اعتمادها على اسس علمية دقيقة. ومنها ما يقوم على الخزعبلات التي لا تمتد الى العلم والمنطق بصلة. ففي المخطوطة الموسومة (مقالات في فن الطب) لمؤلفه ابراهيم بن درويش بن عثمان المتخلص بـ (حقي) معلومات عن العلاقات الحميمية بين الزوجين، يذكر فيها إن هذه العلاقة إذا ما تمت قبل الظهر كان الطفل حكيما وكريما، اما إذا ما كانت بعد الظهر فالطفل المولود يكون احولا. ويُحذّر من إقامة العلاقة الزوجية ليلة الاحد، ذلك لأن المولود حين يكبر يتحول الى لص أو قاطع طريق كما يرى. ومهما يكن فان المخطوطات التي تصنف في باب الطب والادوية والعلاجات تستحق التصفح لاستخراج المفيد منها الى حيز التداول.

والفصل الاخير من هذا الكتاب يتناول المخطوطات التي لها علاقة بالسياسة والعسكرية ويتضمن 21 مخطوطة تتوزع بين أصول الحكم والتشكيلات العسكرية وصنوفها، والتدريبات واساليبها، والصناعة العسكرية وغيرها. وهي موضوعة من قبل المختصين في هذه المجالات في الحقبة الاخيرة من الدولة العثمانية. فهذا علي باشا يؤلف (تدبير جديد / الاحتياطات الجديدة) بعد هجوم نادر شاه على مدينة بغداد. يتحدث فيه عن التدابير التي ينبغي اتخاذها في الدفاع عن الدولة بشكل عام وعن بغداد بشكل خاص. وذاك مصطفى نوري يضع كتابا في (قلعة طوبجيليغي) يشرح فيه الاجراءات العسكرية في الدفاع عن القلاع أو كيفية محاصرتها لاسقاطها ودور المدفعية في هذه العملية. أما علي مظفر الجزائري فيضع خبرته التي اكتسبها في دورات تلقاها في فرنسا في كتاب بعنوان (صناعة المدفعية) ويهديه الى السلطان عبدالحميد. وبين هذا وذاك مخطوطات متنوعة في محتواها، بينها (وقوعات عسكرية) و(مراسلات حربية) و(رسائل في التعليم والتدريب العسكري).

واخيرا لابد من الإشادة مرة أخرى بالجهد المتميز الذي قدمه خبير الاثار والمخطوطات الاستاذ محسن حسن علي، في تعريف القارىء بهذه الثروة القومية والوطنية، عبر كتبه الخمسة، والتي تعد أيضا توثيقا لها ولحقوق أصحابها، ودعوة غير مباشرة الى الاهتمام بها والشروع في استخراج المفيد منها من قبل التركمان من خزانة دار المخطوطات الى النور عبر دراسات علمية نوعية.

وإني لأتمنى أن يقوم احدهم بترجمة هذا النتاج الحيوي الى اللغة التركية لكي يكون في متناول المعنيين بالمخطوطات في تركيا أيضاً، من الاكاديميين والباحثين للاستفادة منها، لاسيما في الحالات التي تكون فيها ما قد تتوفر لدينا منها مفقودة لديهم، أو غيركاملة أوغير قابلة للقراءة.... كما اتمنى أن أرى من يقوم بتثبيت المخطوطات التركية الموجودة في المؤسسات العلمية الاخرى ذات العلاقة، وعلى النهج الذي اتبعه الاستاذ محسن حسن علي في التعريف بالمخطوطات الكامنة في دار المخطوطات العراقية...