أنت هنا

عندما يغترب القمر لدى ايدان النقيب

عندما يغترب القمر لدى ايدان النقيب ارشـد هورموزلو ايدان النقيب شاعرة تركمانية عراقية تأثرت كثيرا بالثقافة العراقية ولذلك كانت كتابتها دوما باللغة العربية التي اتقنتها وهي صغيرة وغرّدت بها في أكثر من محفل للإبداع الفني دون الانجرار الى التقليد او المحاكاة. بدأت ايدان النقيب رحلتها الأدبية في عمر مبكّر جدا وكانت باكورتها الشعريةّ "أعتصر الحجر" (1968) إيذانا بولادة شاعرة ملهمة تأثرت بمن سبقها وخاصة نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب، ولكنها التزمت التفرد بأسلوبها الخاص دون البقاء في ظل الآخرين، وهي بذلك امتداد لجيل من الرواد التركمان الذين أغنوا الثقافة العربية وعلى رأسهم الأديب البارع وحيد الدين بهاء الدين وقحطان الهرمزي وزاهد البياتي وآخرون، بل أن المفكر والأديب التركماني الراحل عطا ترزي باشي قد كتب بالعربية بشكل رائع يعرّف عن ايدان النقيب أنها من رواد شعر التفعيلة في كركوك، وهو الشعر الذي سمي أيضا بالشعر المرسل او الشعر الحر، وهو الشعر الذي يتخذ التفعيلة أساسا عروضيا للقصيدة بدون التقيد بعدد معين من التفعيلات التي يحتويها كل سطر وبدون الالتزام بالقافية مع استخدام الرمزية والتركيز على التأثير الموسيقي للكلمة. ولا ننسى أن هذا النوع من الشعر يحتفظ بوزن الشعر فالكلام بدون وزن في اللغة العربية لا يعد شعرا. ولعل الرائد في ذلك هو عبد الوهاب البياتي في ديوانه "ملائكة وشياطين" عام 1950، كما كان لنازك الملائكة أثر فاعل في قصيدة "الكوليرا" التي حولت الأنظار الى شعر التفعيلة. أكاد أجزم أن النقيب قد قرأت للكثيرين مثل صلاح عبد الصبور من مصر وأدونيس من لبنان ونزار قباني من سوريا ومحمود درويش من فلسطين ومحمد الفيتوري من السودان، فالذي يقرأ قصائد آيدان النقيب يكاد يتصور أنهم من أسرة واحدة. وكتابها الأخير "عندما يغترب القمر" (دار نون للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد 2018) يضم بين دفتيه الكثير من الحزن والألم والحسرة والحنين. ولعل الحنين قد تصدر الموضوع فنرى رسائل لابنتها في أكثر من مجال وهي تصفها بالمغتربة، وذلك في إحساس قاس بالارتباط بتربة الوطن. تقول في قصيدة "رسوت في شاطئك غريقا "ّ: ذات مساء أقفلت النوافذ تركت كتبي وأوراقي والمطر يلمس وجهي وأنا أكتم شوقي تحت ابطي رجفة الحزن في شفتي احتفظ بك كما أنت. وتتكرر المأساة وكتم الشوق والبكاء على انفراد في شعر ايدان النقيب فهي تتساءل لم جفّ نبع الدمع وأنا التي أنبت العشب في الجبال من أدمعي. يغلب على شعر آيدان النقيب الحنين الى مدينتها المعذّبة كركوك، ولا تنسى أن تذكر ما تعانيه المدن التركمانية الأخرى مثل تلعفر وطوز من أهوال فهي لسان حال المعذبين وتفكر في اسطورة جميلة قد يشيدها الزمن، فقد شيدت حسب قولها صومعة في صدرها ذبحت على بابها ضحية، علقت كفا وعينا يقي من الحسد. أي أمل ورجاء أكثر من ذلك، فهي تعبر أطياف الزمن لتجد الراحة التي تعي أن الكل بحاجة ملحة لها. بوركت آيدان النقيب، وبورك انتاجك.