أنت هنا

1959مجزرة كركوك لعام واصداؤها الدولية

1959مجزرة كركوك لعام واصداؤها الدولية
حبيب الهرمزي
العراق منذ بدايات القرن العشرين بأحداث ّمر جسام تمثلت في الاحتلال البريطاني لأراضيه وما صاحب ذلك من بطش بالوطنيين واصحاب الضمائر الحية من محبي الوطن، وأعقب ذلك الانتداب البريطاني ثم الاستقلال الصوري الذي ناله بدخوله عضوا في عصبة الأمم، وتأسيس الحكم الوطني الذي كان خاضعا للإرادة الإنكليزية. واستمر هذا الوضع حتى عام عندما حصل الانقلاب العسكري الذي 1958 سماه القائمون به ثورة تموز، والذي حصل في الأشهر القليلة التي تلت تحقيقه المد الشيوعي الطاغي الذي تسبب في قتل العشرات بل المئات إثر حادثة الشواف في الموصل وخلال ايام مجزرة كركوك في الرابع عشر من تموز/ . وتوالت الانقلابات العسكرية 1959يوليو لعام الى ان حل حكم حزب البعث العربي الاشتراكي الذي دام حكمه الاستبدادي قرابة خمسة وثلاثين عاما، تخللته الحرب العراقية – الايرانية التي استمرت ثمانية اعوام ثم احتلال دولة الكويت والذي نتج عنه تكالب الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية على العراق والحصار الاقتصادي الذي ضرب على البلاد لمدة ثلاثة عشر عاما. وتبع كل ذلك الاحتلال والذي أسفر عن 2003الامريكي للعراق عام سيطرة الطائفية والشعوبية والمحاصصة على مقاليد الأمور في الوطن العراقي. عانى الشعب التركماني من المصائب والويلات التي لحقت به طوال تلك العهود جميعها، والتي كان أشدها سياسة التعريب والصهر القومي التي مارسها حكم البعث ضده بكل وحشية، ثم تلت ذلك سياسة التكريد التي اتبعت في كركوك وطوزخورماتو وداقوق وتلعفر وخانقين وفي العديد من المناطق التركمانية الاخرى. ولم يسلم الشعب التركماني في العراق من مذابح ومجازر دموية اودت بحياة المئات من ابناء هذا الشعب. ولعل أبرز مثال على ذلك، المذبحة
التي قامت بها القوات البريطانية في مدينة ، ومذبحة التياريين 1920تلعفر التركمانية عام ، ومذبحة كاورباغي 1924في كركوك عام وثم المجزرة البشعة التي 1946بكركوك عام نفذها الشيوعيون والشعوبيون بحق سكان مدينة كركوك في الرابع عشر من تموز/ يوليو التي دخلت التاريخ باسم “مجزرة 1959عام كركوك”. وتلا تلك المجزرة اعدام كوكبة من ، والمجزرة التي 1980الشهداء التركمان عام ارتكبتها قوات صدام حسين في ناحية التون . ومن بعد ذلك 1991كوبري التركمانية عام الاغتيالات وحوادث القتل والخطف الفردي والتهجير والتكريد التي صاحبت عهد الاحتلال والتي استمرت 2003الامريكي للعراق في وهي مستمرة وان بشكل أقل حتى هذا اليوم. كانت “مجزرة كركوك” التي نفذت بحق المواطنين التركمان في مدينة كركوك الأشد وقعا في نفوس الشعب التركماني وعلى الشعب العراقي ككل، واكثرها افرازا لنتائج سياسية واجتماعية ل في حياة ّوثقافية وأثنية، بل وكانت نقطة تحو العراق من السير في ركاب الشيوعية العالمية، نحو التخلص من هذا الكابوس الذي سيطر على 14الشعب العراقي منذ الأشهر الاولى لإنقلاب والى يوم القضاء على عبد 1958تموز/ يوليو الكريم قاسم في الانقلاب العسكري الذي اطاح به .1963 شباط/ فبراير من عام 8في وقد نشرت عشرات المقالات والبحوث التي اصدرها الكتاب والباحثون العراقيون والأجانب حول احداث المجزرة وتحليل اسبابها ونتائجها وتحديد مرتكبيها والجهات اب ّ التي كانت تقف وراءهم. وشمل ذلك كت عراقيون من التركمان والعرب والاكراد والشيوعيين، ادلى كل منهم بدلوه حول الموضوع وحاول ان يصبغه بالصبغة التي يؤمن بها ويدافع عنها، مثلما شمل ذلك كتابا أجانب من عرب وغيرهم.
لم تكن احداث المجزرة بنت ساعتها او نتيجة لخلاف او شجار نشب بين فئات تختلف في العرق او المنشأ او العقيدة، كما لم تكن مجرد حادث عرضي تسبب في مقتل بضعة اشخاص رة ّوجرح آخرين، بل انها كانت مجزرة مدب ومنظمة سلفا استمر أوارها ثلاثة ايام بلياليها واستخدمت فيها البنادق والرشاشات بل وحتى المدافع - كما حصل في قصف قلعة كركوك وبعض دور السينما – وشاركت فيها وحدات عي ّمن الجيش العراقي النظامي ومنظمات تد ى بأسماء جذابة ولكنها خادعة، ّالوطنية وتتسم مثل “انصار السلام” و “الشبيبة الديمقراطية” و “الدفاع عن الجمهورية” و “المقاومة الشعبية” وغيرها، واسفرت عن قتل العشرات من الأبرياء وجرح المئات وتخريب ونهب وسرقة المئات من الدور والمحلات التجارية والمكاتب وعن تغيير واضح في نمط الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية لتركمان العراق بل وللشعب العراقي بأسره. والواقع ان عبد الكريم قاسم اول رئيس للوزراء في العهد الجمهوري كان قد اضطر تحت وطأة التيار القومي العربي الذي اشتد على يد القوميين وعلى رأسهم شريك قاسم في الانقلاب عبد السلام عارف، الى تقوية جناحه المعارض للوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة، ولم يجد في هذا السبيل غير الاستعانة بالحزب الشيوعي الذي أعلن ولاءه الكامل له. وهكذا اشتد ساعد هذا الحزب وقويت شوكته ووجد له انصارا ومؤيدين، وبدأ الشيوعيون بأخذ زمام الأمور بأيديهم في مدن العراق كافة باستثناء مدينة الموصل العربية وكركوك التركمانية التي رفض التركمان فيها الفكر الشيوعي نظرا لتركيبتهم القومية والاجتماعية، ولأنهم كانوا يمثلون الطبقة الغنية والمثقفة في المدينة إضافة الى تمسكهم بالدين الإسلامي الذي تتناقض المبادئ الشيوعية معه وترفض الاعتراف بأية معتقدات دينية. ونتج عن ذلك كله عدم استطاعة الحزب الشيوعي التوغل بين صفوف الشعب التركماني. استمرت اعمال القتل والسلب والنهب في مدينة كركوك ثلاثة أيام ولم تتوقف الا بعد ان وصلت القوات العسكرية القادمة إلى كركوك والتي تولت نزع سلاح جنود اللواء الرابع الأكراد واعتقال المخططين للمجزرة ومنفذيها، وكان مخططو ومنفذو المجزرة قد قاموا عند ذاك
بإكمال الواجب المعهود إليهم مخلفين 31 قتيلا من الشهداء التركمان، إضافة إلى 27منهم جريحا 130العشرات من الجرحى بلغ عددهم حسب التقارير الرسمية، وتخريبا كاملا للحركة التجارية في المدينة. كان الهدف الرئيسي للمجزرة كما اوضحنا أعلاه، إرهاب التركمان وكسر شوكتهم ونفوذهم في كركوك وارغامهم على ترك المدينة. ومن الدوافع المهمة للمجزرة، التخلص من القادة والزعماء والمثقفين التركمان الذين كانوا يقفون ين الشيوعي والكردي في ّحجر عثرة امام المد كركوك. فقد ظهر بعد التحقيقات الجارية حول رين لها كانوا قد ّالمجزرة ان القائمين بها والمدب وا قائمة تتضمن أسماء من خططوا لإزاحتهم ّأعد عن طريقهم بقتلهم والتخلص منهم. واستطاع مدبرو المجزرة التخلص من الزعيم التركماني عطا خير الله وشقيقه الطبيب احسان خير الله والوجيه قاسم النفطجي والشاب التركماني الناشط جاهد فخر الدين ورجلي الاعمال صلاح الدين آوجي ومحمد آوجي بقتلهم بطرق صوا من عشرات أخرى من ّوحشية، مثلما تخل الشباب والشيوخ والاطفال.
كانت للمجزرة نتائج سلبية فادحة، فقد أصيب الشعب التركماني في العراق بنكسة بالغة لم يشهدها من قبل مطلقا، فلقد فقدت مئات العوائل معيلها، وافتقد الأطفال آباءهم، وافتقد الإباء والامهات فلذات اكبادهم، وراح عشرات من الشباب ضحية لهذه المؤامرة الخبيثة، وفقد المجتمع خيرة رجالاته وزعمائه وقادته وكوادره النشطة. فالقائمون بتخطيط وتنفيذ المجزرة استهدفوا بشكل خاص هذه الشريحة من المجتمع، ولئن راح ضحيتها أناس بسطاء وكادحون وأصحاب مهن وأطفال في عمر الورود، او أصاب محال التجارية ودور سكن من تدمير ونهب وغصب للأموال والبضائع والمقتنيات، فإنما نتج ذلك عن الحقد الدفين والرغبة في تدمير كل شيء جميل. لقد كانت صدمة مفجعة وخيبة امل غير متوقعة حقا.
فسدت العلاقات الاجتماعية مع غير التركمان، رين والاشرار ّوأضحى الضحية ينظر الى الخي
منهم بنفس النظرة، وأصاب الجمود والتدهور الاعمال والمهن والتجارة، وأضحى الناس سكارى وما هم بسكارى من هول الاحداث التي استمرت ثلاثة أيام بلياليها دون وازع من ضمير. رين من ّومع ذلك، فلم تخل المدينة من أناس خي غير التركمان، ابى ضميرهم الإنساني الا ان يساعدوا المستهدفين من التركمان وان يحاولوا ايصالهم الى بيوتهم آمنين مطمئنين.
وامام هذا الواقع المضطرب وعدم الاستقرار الاجتماعي والمهني، اضطرت المئات من العوائل التركمانية وبالأخص الشباب منهم الى الهجرة من كركوك الى سائر مدن العراق، طلبا للأمان والرزق والطمأنينة نتيجة هذا الغموض في الموقف وعدم الاستقرار الأمني والاجتماعي. وكانت للعاصمة بغداد حصة الأسد من تلك الهجرة التي شملت العوائل الغنية والمثقفة بشكل خاص. كان لأنباء المجزرة صدى واسع في الأوساط المحلية والدولية. ونقلت وكالات الانباء والصحف والإذاعات الدولية اخبار المجزرة ودوافعها والكوارث التي تسببت فيها بالكثير من التفصيل، وأدى ذلك الى تكوين رأي عام عالمي يندد بالأفكار الشيوعية التي كانت احداث المجزرة نذيرا بانحسارها، وان كان في العراق على الاقل. كما قوبلت المجزرة بالرفض القاطع من لدن الرأي العام الداخلي في العراق الذي ظهرت امامه وحشية الأفكار الشيوعية وعدم اتساقها مع مبادئ الإنسانية والدين الإسلامي، وهي حقيقة كان الحزب الشيوعي يخفيها عن الشعب بكل وسائل التمويه سواء بالادعاء بالوطنية او الديمقراطية او السلام او الحفاظ على الجمهورية. وبدأت الصحف اليومية والاسبوعية غير الموالية للشيوعية بنشر انباء الفظائع التي ارتكبها “الفوضويون” في كركوك منددة بوحشية القائمين بها وبلزوم نيلهم العقاب الصارم. تابعت الحكومة البريطانية تطورات أحداث المجزرة التي نفذت في كركوك شأنها في ذلك شأن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية والحكومتان التركية والروسية،. كما استقطب الأمر اهتمام الدول المجاورة التي طلبت استيضاحا من الحكومة العراقية حول ملابسات الأحداث.
ففي الثامن عشر من شهر تموز(يوليو)1959 أرسلت السفارة البريطانية تقريرا إلى وزارة جاء فيه:1الخارجية البريطانية إن من الصعب جدا الحصول على معلومات دقيقة حول كنه الاضطرابات التي جرت في كركوك. إن منتسبي شركة نفط العراق بحالة جيدة ولم يتأثروا من الأحداث، إلا أن المدينة مقفلة تماما، وهناك أنباء عن استخدام صواريخ مضادة للطائرات استهدفت بعض أجزاء المدينة وقد تكون قذائف هاون. لقد توقفت حركة القطارات من والى كركوك، ويظهر أن الاضطرابات مستمرة. لقد تم إغلاق أبواب البنك الشرقي (إيسترن بنك) هذا اليوم وجميع منتسبيه يتمتعون بصحة جيدة. لقد بدأت الاضطرابات يوم الثالث عشر من الشهر (الصحيح هو اليوم الرابع عشر من الشهر) عندما هوجم مقهى للتركمان وأضرمت فيه النار من قبل جمع من الأكراد، وقد قتل في الحادث بعض التركمان. وقد حدد عدد القتلى مت إلى ّبخمسة وعشرين في معلومات سل الملحق العسكري التركي من قبل وكيل وزارة الداخلية، ولكن هناك احتمال بأن العدد أكبر من ذلك. وهناك معلومات غير موثقة بأن جمهرة كبيرة من قوات الفرقة الثانية والذين أغلبهم أكراد هم متعاطفون مع مثيري الفتن. وفي برقية لاحقة أرسلتها السفارة البريطانية في 2إلى مقر وزارة الخارجية البريطانية 19 تموز(يوليو) 1959 جاء ما يلي: “بشأن كركوك، لقد علمنا أن معلومات وصلت إلى السفارة التركية في بغداد من بعض من وصلوا حديثا إليها أن الاضطرابات قد بدأت مساء يوم 14 تموز(يوليو) رغم احتمال تهيئة الأكراد لهذه الأحداث في وقت أبكر. وبعد إضرام النار في المقهى التركماني فقد قام حشد من الأكراد معززين بجمهرة من أفراد (المقاومة الشعبية) - برقية السفير السير تريفيليان الى وزارة الخارجية 1 – الملف اف 1959 تموز/ يوليو 18 في 973برقم دائرة حفظ الوثائق البريطانية، 371/140919او. لندن (هذه البرقية والبرقيات اللاحقة حول الموضوع مستقاة من: ارشد الهرمزي، حقيقة الوجود التركماني في العراق، المصدر السابق 141
2=برقية السفير البريطاني رقم 978 في 19 توز / يوليو 1959 , الملف السابق الملف السابق
بمهاجمة منازل الزعماء التركمان والذين لقي بعضهم مصرعهم في خضم هذه الأحداث. وقد شارك أفراد الفرقة الثانية للجيش العراقي من الأكراد في الهجوم وفقدت السيطرة على مجريات الأمور طيلة يوم الخامس عشر من تموز(يوليو). وقد التجأ بعض التركمان إلى القلعة حيث استمات مثيرو الاضطراب الأكراد إلى إجلائهم منها بقذائف الهاون المتطايرة عليهم. تمت السيطرة على الوضع يوم 16 تموز(يوليو) من قبل القوات المدرعة وقوات المشاة التي وصلت من فرق الجيش أخرى. وقد علم أن الوضع هادئ ومستقر حاليا حيث انسحبت قوات المقاومة الشعبية من شوارع المدينة. وهناك إشاعات بأن عدد المصابين قد تجاوز الخمسين وأن الطائرات لا تستخدم إلا لإلقاء المناشير”. وحول رد فعل رئيس الوزراء العراقي آنذاك عبد الكريم قاسم والإجراءات التي كان ينوي اتخاذها، جاء في برقية للسفارة البريطانية في بغداد إلى مقر وزارة الخارجية في الثلاثين من ما يلي:1959تموز(يوليو) “أن مما له دلالات قوية أن يبادر رئيس الوزراء إلى عقد مؤتمر صحفي إثر تحقيقات اللجنة الخاصة حول أحداث كركوك. ولعل ذلك هو لتهيئة الرأي العام للعقوبات المشددة التي ينوي إنزالها بمسببي الحادث.
وصلتنا معلومات بأن قاسم قد صدم بمظاهر الوحشية التي صاحبت الأحداث وأدرجت في تقرير اللجنة التحقيقية الخاصة وقرر بغض النظر عن كل التوازنات السياسية وجوب معاقبة المجرمين بأقصى العقوبات. وقد أدلى بتصريحات للصحفيين بشرط عدم النشر أن من الامكان أن شخصا إضافة إلى 120يصل عدد القتلى إلى جميعهم من التركمان”.140المصابين وعددهم
وفي برقية أخرى في الحادي والثلاثين من أبرقت السفارة البريطانية 1959تموز(يوليو) في بغداد إلى وزارة الخارجية البريطانية مرئياتها حول المؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء وما تناولته بعض الصحف.
التحليل البريطاني لأحداث مجزرة كركوك: نظم محضر منظم في الدائرة الشرقية بوزارة الخارجية البريطانية حول الرسالة التي وردت إلى الدائرة من المستشار السياسي لشركة الخليج وأوروبا السيد “كوبلاند”، المقيم في بيروت، وهي من التقارير التي اعتادت الخارجية البريطانية الحصول عليها من واجهات مشابهة لعملها السياسي. ويقول المحضر فيما يخص موضوع كركوك والمأساة التي حصلت فيها “أن المعلومات الواردة في هذا التقرير تفصيلية وواقعية أكثر من التي وردت من المصادر الأخرى رغم التحفظ على تركيز التقرير على حركات الانشقاق في صفوف بعض أفواج الجيش في خضم هذه الأحداث وعدم التزامها بالانضباط الوظيفي والعسكري وتأثر ذلك بالنفوذ الشيوعي حيث يعتقد المحضر أن الاتجاه العرقي كان أكثر تأثيرا”. وتذهب الدراسات المنظمة في هذا الاتجاه إلى أن تقارير عملاء الاستخبارات البريطانية تختلف بصورة جذرية عن التحليل الأمريكي الذي تعتمده وزارة الخارجية الأمريكية حول أحداث كركوك. ويأخذ الاتجاه البريطاني على الأمريكيين نظرتهم المتفائلة نسبيا لسير الأمور في العراق رغم توفر الأدلة التي تشير إلى عمق الشرخ الموجود في السياسة العراقية وسيطرة الشيوعيين على مقاليد الأمور. ويعتقد التقرير أن من غير الممكن أن لا يعلم عبد الكريم قاسم بما يجري في كركوك منذ الساعات الأولى، إلا أن من الملاحظ أنه لم يدل بأي تصريح لا للجماهير ولا للدبلوماسيين عما يجري في كركوك طيلة أربعة أيام والسبب في ذلك أن قاسم قد انتظر لمعرفة النتيجة التي تؤول إليها الأحداث ليحدد موقفه في ذلك الوقت الحرج. 1959 تموز(يوليو) 31والتقرير الذي نظم في له دلالاته من حيث تجميعه للمعلومات شبه المؤكدة من مصادر داخلية إضافة إلى استقراء التقارير الواردة من المصادر الغربية والتركية ومن القاهرة وبيروت والعراق.
اما بالنسبة الى تركيا، فقد بدأت انباء المجزرة تتوارد اليها اعتبارا من يوم 19 تموز/ يوليو، وذلك لعدم توفر وسائل الاتصال العصرية آنذاك الا بقدر محدود. وابدى وزير الخارجية التركي “فطين رشدي زورلو” اهتماما كبيرا بالحادث واستمر في متابعة الانباء الرسمية الواردة من العراق حتى أوقات متأخرة من الليل. وبعد يومين من ذلك استقبل الوزير السفير العراقي في انقرة واخذ منه ضمانات بعدم تكرار مثل هذه المآسي. كما ان وزارة الخارجية التركية استدعت سفيرها في العراق “فؤاد بيرام اوغلو” للاستيضاح منه حول احداث المجزرة. وعاد السفير التركي الى بغداد ونقل طلبات الحكومة التركية الى رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم مه رسالة من رئيس الوزراء التركي ّقاسم، وسل .3عدنان مندرس وأصدرت وزارة الخارجية التركية بيانا حول الحادث بتاريخ 25 تموز/ يوليو 9591 جاء فيه: “من المعلوم انه وقعت حوادث مؤلمة في كركوك، ومن دواعي الأسف انه قتل في هذه الأحداث ما يقارب الثلاثين من اشقائنا التركمان الذين هم مواطنون عراقيون. وقد بادر سفيرنا في بغداد بناء على تعليمات زودناه بها فور تلقينا النبأ، الى اجراء الاتصالات اللازمة مع وزير خارجية العراق. واضافة الى ذلك، فقد استقبل وزير خارجيتنا السفير العراقي في الجمهورية التركية يوم السبت الماضي الذي زودنا بمعلومات عن الحادث وقدم لنا ضمانات لعدم تكرره. ان حكومتنا التي بذلت جميع المساعي الجدية إزاء هذا الحادث المؤسف، تطالب الحكومة العراقية بمنع تكرار مثل هذا الحادث المنافي لميثاق هيئة الأمم المتحدة”. اما بالنسبة الى ردود الأفعال تجاه المجزرة في الاتحاد السوفياتي، فان راديو موسكو اذاع ورد فيه: 1959 تموز/ يوليو 20خبرا بتاريخ “ان احداث كركوك كانت بفعل خدام الامبريالية المأجورين الذين لهم علاقات وثيقة مع تركيا”. واستند الخبر الى مراسل الإذاعة المذكورة في بغداد، الذي أورد ان المسؤولين عن احداث كركوك هم اشخاص من أنصار تركيا هدفهم سلخ الموصل وكركوك من العراق والحاقهما بتركيا.
3-صبحي ساعتجي، الكيان التركماني في العراق، المصدر السابق، ص 209

من الاكراد مسلحون بمختلف أنواع الأسلحة، إضافة الى افراد المقاومة”. اما العدد الصادر من هذه الصحيفة والصادر تموز/ يوليو، فقد احتوى على الخبر 26بتاريخ الاتي: “يستفاد من المصادر الدبلوماسية في بغداد ان صفوة من التركمان في كركوك قد اخذوا من بيوتهم وتم قتلهم، وان حدة الصراع الأثني قد زادت في المدينة، والسبب هو ان الاكراد من أنصار الشيوعية، وان التركمان ليسوا كذلك”. المجزرة في الصحافة البريطانية نشرت صحيفة الديلي تلغراف الصادرة في تموز/ يوليو 31لندن في عددها الصادر بتاريخ خبرا مفاده “ان الفوضويين استوعبوا 1959 الهجوم الواقع عليهم خاصة بعد تصريحات رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم، واستخدمت وسائل لاحتواء الموضوع ومنها تقديم عدد كبر من الأعضاء استقالتهم من المنظمات الشعبية خلال اثنتي عشر ساعة من .”4المؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء
المجزرة في الصحافة التركية 1959 تموز23 / التركية ”وطن“ جريدة كانت جريدة “وطن” اول صحيفة تناولت الحادث بمقال نشرته في عددها الصادر بتاريخ تموز/ يوليو بتوقيع “جوشكون قرجا”. 23 وذكر “قرجا” في مقاله “ان المجزرة كانت خطأ تكتيكيا وقع فيه شيوعيو العراق ومتناقضا مع مصالح الكرملين”. واستطرد الكاتب في مقاله قائلا: “ان من المحتمل جدا ان تكون احداث كركوك من فعل العناصر الشيوعية المحلية، وان الكرملين عمد الى القاء التبعة على عاتق التيار الطوراني كمحاولة للحيلولة دون اتخاذ إجراءات شديدة ضد تلك العناصر الشيوعية”.
وعندما انتقلت تفاصيل المؤتمر الصحفي الذي عقده عبد الكريم قاسم حول الحادث، نشرت
4- انظر: ارشد الهرمزي، حقيقة الوجود التركماني في العراق . امصدلا السابق

جريدة “وطن” تعليقا على اقوال قاسم في المؤتمر الصحفي متسائلة فيه عن سبب عدم حيلولة قاسم دون وقوع هذه الجرائم في كركوك مع تباهيه بقوة العراق وصلابته. وأضافت الصحيفة ان هذا الامر يخلق علامة استفهام في قت على اقوال قاسم حول حصول ّالاذهان، وعل محاولات لارتكاب مجازر مماثلة في مدن أخرى من العراق وتمكنه من الحيلولة دون وقوعها. وتساءلت الصحيفة قائلة: “لماذا لم يتم ذلك في كركوك أيضا؟”.
1959 تموز29 / التركية ”ترجمان“ جريدة نشرت جريدة “ترجمان” تعليقا في عددها 1959 تموز/ يوليو 29 الصادر بتاريخ للصحفي “بيامي صفا” أورد فيه “ان احداث كركوك يمكن ان تعتبر بانها اسفرت اليوم عن هزيمة للشيوعيين الذين لم يوفقوا فيما سعوا اليه من اثارة للفتنة واشاعتها بين الأوساط السياسية”. * * *
واليوم اذ تحل الذكرى الواحدة والستون لهذه المجزرة البشعة، لا زال من عايشها من الشباب والكهول يعتصر الألم قلوبهم ولا زالوا يستذكرون من كانوا ضحية التطرف العقائدي او القومي الذي وصل الى حد الاجرام من قتل وتعذيب وتمثيل بالجثث وسحل لها دونما رحمة او خوف من غضب الرحمن. ولم يخفف من وطأة هذه الذكرى الأليمة عشرات حوادث القتل والاختطاف والتغييب القسري وسلب الحقوق والممتلكات التي تلت ذلك، اذ لا زال الشعب التركماني يعتصره الألم كلما حلت هذه الذكرى العصيبة. فسلام على الطفلة البريئة أمل فؤاد، وسلام على القائد المناضل عطا خير الله، وسلام على الأخوين صلاح الدين ومحمد آوجي، وسلام على الوجيه قاسم النفطجي، وسلام على كل الضحايا الذين استشهدوا لا لذنب اقترفوه بل لأنهم كانوا افرادا من شعب اسمه “التركمان” يعيشون في بلد أسمه “العراق”. ولا ريب ان ارواحهم ترفرف الآن بسلام في جنات الخلد عند مليك مقتدر