أنت هنا

لقاء مع الصحفي التركماني الكبير المحامي حبيب الهرمزي

حبيب الهرمزي :-

نحن احوج ما نكون الى "التوحّد" بدل "التشتّت" , لأننا مستهدفون في وجودنا

عباس احمد

المقالة التي اريد كتابتها ارجو ان تكون خارج الاطار العادي وان تكون فوق العادة , واللقاء الصحفي الذي انشده ان يكون متميزا ومميزا وخارج القواعد المعروفة .... لذا كنت ابحث عمن يروينا من ماء زلال ولقاء يحمل جملا واجوبة تبقى طويلا دون ان يعتريها التعب والنسيان .

لقد اجريت مع الاستاذ ارشد الهرمزي لقاءا صحفيا نادرا ومميزا , واظن انني لو قمت بنشر اللقاء بعد عشر سنوات ( ان كان للعمر بقية ) فلا يمكن ان يحس المرء بفارق الزمان لان الاستاذ ارشد الهرمزي اتحفني باجوبة هي لكل وقت وزمان .

واعتقد انني وبلقاءي هذا مع الاستاذ الكبير والعقل القومي والصحفي التركماني الكبير المحامي حبيب الهرمزي اعيد نفسي واكرر ما عملت ... واقول اكرر فهذا لايعني التكرار والملل , بل جل ما اعنيه هو تكرار الجمال وديمومة الاجوبة واسال نفسي قبل ان اطرح السؤال عليكم ... ترى هل استطعت ان افي للهرمزيين الكبيرين واستاذيي حبيب وارشد حقهما في الاسئلة التي طرحتها وارجو ان تعذروني عن كل خطا وقصور وهما مني انا ان وجدا لا سامح الله .

لقد كان المؤتمر الخامس للاعلام والصحافة التركمانية الذي انعقد من 17 – 19 مايس في اسطنبول فرصة ذهبية مثالية كي التقي اساتذة افذاذ واخوان كرماء وتخلل المؤتمر احاديث ولقاءات جانبية وهذا اللقاء الصحفي واحد من تللك الفرص وها نحن الان ندخل عباب بحر لقاء الاستاذ الفاضل المحامي حبيب الهرمزي فلنتوكل على الحي الذي لا يموت ونبدا ....

حبيب الهرمزي " انا لست الا واحدا من ابناء الشعب التركماني العظيم "

عباس احمد :- ليس هناك من يقدّم تعريفا صادقا عنك الا انت ، فمن انت ؟

حبيب الهرمزي :- من انا ؟ وماذا يهم من أكون ؟ انا لست الا واحدا من ابناء الشعب التركماني العظيم ، هل يقتضي لي ان اتشدّق بانني فعلت كذا وكذا من اجل وطني وشعبي ؟ على اية حال ، ما دمت تسأل فاليك الجواب باختصار:

ولدت في مدينتي الحبيبة كركوك عام 1933 ، ويعني ذلك – وهذا اعتراف مني – بانني تجاوزت الثمانين من عمري وانني احمد الله تعالى على نعمة الحياة ونعمة الصحة اللتين وهبهما الباري لهذ الشخص الضعيف.

تعلمت حب ابناء قومي من والدي ووالدتي ومن اصدقاء اعزاء كان لي االشرف في ان اصاحبهم واعمل معهم في مجالات النشاطات الثقافية والسياسية التركمانية من امثال عبد الله عبد الرحمن ونجدت قوجاق ورضا دميرجي وعبد القادر سليمان وعطا ترزي باشي واحسان صديق وصفي وغيرهم كثيرون , كل واحد من هؤلاء البواسل كان مدرسة بحد ذاته وتعلمت منهم الكثير الكثير.

سعدت في حياتي باكمالي الدراسة القانونية وان لم يسمح لي نظام البعث ان اكمل دراسة الدكتوراه لأنني لم اكن منهم، وسعدت اكثر بمساهمتي في اصدار جريدة "البشير" بكركوك ومجلة "الاخاء" ببغداد، الرائدتين في مجال نشر الثقافة التركمانية وارساء الروح القومية لدى ابناء هذا المكوّن الأبي.

رضيت بمشيئة الله عند اعتقالي ومن ثم ابعادي الى "الناصرية" في عام 1959، وشكرت الله لأنه جل جلاله انقذني من مصير محتوم كدت اواجهه في اليوم الأول من ايام مجزرة كركوك الرهيبة.

وصبرت وصمدت عندما اضطررت الى ترك وظيفتي وما املكه في هذه الحياة الدنيا لأهاجر من وطني الى وطن آخر بدأت به من الصفر عندما كان عمري يقارب الخمسين من السنين.

تسألني من انا، ها انا وقد بلغت الثمانين من عمري واعمل سبع ساعات في اليوم كي احرر شيئا قد يفيد قومي وقوميتي ، كيف استطيع ان اتحمل هذا العبء ؟ لأن حب شعبي التركماني ممتزج بدمي ويعطيني زخما ونشاطا ويجعلني وكأنني ابن العشرين ! وهذه نعمة من الله عزّ وجلّ.

حبيب الهرمزي :- حتى انفاسي اتنفسها بنفس تركماني

عباس احمد : - نحن واثقون انه بعد كل هذه السنوات على فراق كركوك وتوركمن ايلي والبعد عن التركمان في العراق ، فانك لم تنس اية لحظة معهم ، فماذا تقول ؟

حبيب الهرمزي :- وهل ينسى الإبن اباه او أمه ، هل ينسى الشقيق شقيقه ، ام هل ينسى العاشق معشوقته ؟ حتى انفاسي اتنفسها بنفس تركماني ، وحتى احلامي يصوّرها لي عقلي الباطن وكأنني في شارع الأوقاف او امام "احمد اغا" او في "سوق القورية" او سفح القلعة بكركوك.

وكيف لي ان انسى زملاء دراستي في "ثانوية كركوك" او زملائي من المحامين التركمان الأجلاء ومجالستي لهم في غرفة المحامين التي كانت تقع في بناية السراي بكركوك، وهل انسى ترددي اليومي على مكتبات "سيد عباس" و "حبيب سيويملي" و "احمد فكري" و "مصطفى كوك قايا" ؟ .

هل انسى شعاع النار الازلية التي تصدر من لهيب "بابا كركر" الذي كنت اتمتع به كل ليلة قبل نومي في سطح دارنا بمحلة "بكلر" ؟ .

هل انسى مجالستي اليومية لأستاذنا "عطا ترزي باشي" في مكتبه بالقرب من شارع المجيدية او في داره قرب شارع اطلس ؟ .

هل انسى مقهى "المجيدية" التي كنت اتردد عليها احيانا والتي علّمني زميلي "جمال مختار" في بعض جلساتي فيها الأحرف التركية "اللاتينية" لتكون بداية لتدبيج مقالات لي بهذه اللغة ؟.

اعتقد ان لوعة الفراق والبعد عن حبيبتي "كركوك" هي أشد ما يشعر المرء به في هذه الحياة وخاصة عندما تشعر ان ايادي تمتد لتأخذ منك حبيبتك، واللوعة الأشدّ عندما ترى ان هنالك من يعمل – وهو منك – على ان تزخرف تلك اليد التي تمتدّ الى حبيبتك وتنزعها من يدك لتضعها في ايدي غريبة عنك وعنه ابتغاء زخرف الحياة ومباهجها!

عباس احمد :- هل من الممكن ان نعرف شيئا ولو يسيرا عن نتاجك الفكري؟

حبيب الهرمزي :- ان كان لأحد ان يفخر باي نتاج له يقدمه خدمة لقومه وابناء جلدته ويشعر بالسعادة لتمكنه من تقديم هذه الخدمة، فانني اشعر بسعادة غامرة اذ وفقني الله لأن احقق انجازا لم يحققه غيري من زملائي واساتذتي، وذلك هو نشري لمعجم متواضع يضم التعريف بقواعد لهجة تركمان العراق ويورد نحوا من خمسة الاف كلمة تستعمل منذ القديم وحاليا بين التركمان في مختلف مناطق سكناهم بدءا من تلعفر وحتى مندلي والعزيزية.

وانا سعيد اكثر لأن الطبعة الثانية من هذا الكتاب سيظهر للوجود خلال فترة قصيرة بعد عشر سنوات مضت على طبعته الأولى وسيكون عنوانه "قاموس لهجة تركمان العراق" , على انني لست غزير الانتاج، فلم يظهر من تأليفاتي غير كتاب ألّفته مع المرحوم الدكتور اكرم باموقجي عن "العشائر التركمانية" وبطبعتين اولاهما باللغة التركية والاخرى باللغة العربية، اضافة الى ترجمتي لكتابين الى اللغة العربية اولهما للأديب عزالدين كركوك حول المفكر التركماني الكبير "هاشم ناهد اربيل"، وثانيهما للبروفيسور الدكتور ماهر النقيب وكان بعنوان "كركوك وهويتها القومية والثقافية".

واتمنى ان يرى النور كتاب " الوجود التركماني في العراق في ظل التطورات التاريخية" لمؤلفه البروفيسور صبحي ساعتجي الذي ترجمته الى اللغة العربية منذ أمد ليس بقصير. ولقد نشرت نحوا من مائة مقال باللغتين التركية والعربية في صحف تركمانية مثل البشير والاخاء وكركوك وقارداشلق وتوركمن وفي صحف ومجلات اخرى صادرة في تركيا , وانني اعمل حاليا على إنهاء مؤلّفات قد تكون فيها خدمة لشعبي، وكل أملي ان لا ينتهي أجلي في الحياة الا بعد انتهائي منها..

حبيب الهرمزي :-لا حلّ لكركوك الا الحل الذي يأتي به التركمان انفسهم

عباس احمد : - بعد كل ما جرى ويجري وبعد كل هذا الحب للتركمان ، كيف يرى حبيب الهرمزي الحل لكركوك؟

حبيب الهرمزي :- لا حلّ لكركوك الا الحل الذي يأتي به التركمان انفسهم.

أليس من الغفلة – ودعني لا اقول الحمق – ان ننتظر العدل او الرحمة ممن يستهدفوننا في وجودنا وكياننا ويغزوننا في عقر دارنا؟

* بصراحة هل تحس بوجود تشتت تركماني؟

بصراحة من هو غير "المتشتّت" في العراق ؟ .

هل العرب السنة ام العرب الشيعة ام الأكراد ام العلمانيون ام الشيوعيون ام الأحزاب ام الجماعات غير متشتّتين كي نعيب على انفسنا "اننا متشتّتون"؟.

هل تراني أبرر التشتت، كلا بالطبع، فنحن احوج ما نكون الى "التوحّد" بدل "التشتّت"؟.

لماذا؟.

لأننا مستهدفون في وجودنا

مستهدفون في كياننا

مستهدفون في وحدتنا

انني أرى ان لا حل لنا الا الذي يأتي بسواعد وعقول وتصميم وعناد وشكيمة الشباب.

حبيب الهرمزي :- على الشباب التركماني الاتفاق على مبادئ محددة لا يحيدون عنها لاي سبب ..

عباس احمد :- ماذا تقول للشباب التركماني وهل تلمسون جهودهم وكيفية التقدم والتطور بنشاطاتهم؟

اتمنى ان يكون لهم دور في تكوين حاضر ومستقبل الشعب التركماني، واني ادعوهم لتكثيف نشاطهم وتوحيد جهودهم.

انني اتابع باعتزاز دورهم الايجابي سواء هنا في تركيا او في داخل العراق , وكل أملي ان لا تفرّقهم المناطقية او الطائفية او الحزبية.

لا تقفوا في الصفوف الخلفية ايها الشباب، فليكن لكم صوت مسموع في كل مجال من مجالات الخدمة، ولكن عليكم ان تدركوا انكم لا يمكن ان تحققوا ذلك ما لم تتوحدوا وتتفقوا على مبادئ محددة لا تحيدون عنها لأي سبب، هل فهمتم: لأي سبب.

عباس احمد :- ما هي نظرتكم لأتراك العراق وانتم تنظرون الينا من الخارج؟

حبيب الهرمزي :- شعب له الحق في الحياة والحرية والكرامة مثل سائر شعوب العالم ومثل بقية القطاعات والمكوّنات في العراق، ولكن يراد ان يسلب منه هذا الحق، لأن وجوده وممارسته لحقه في العيش بكرامة وتخليد ماضيه الملئ بما يفخر به كل شعب، يجد فيه آخرون تحديا لهم وحجر عثرة امام تطلعاتهم.

شعب ليس له من سبيل للخلاص الا اعتصامه بالله تعالى وبقوته الذاتية. لقد رقدنا عشرات السنين واكتفينا بالتشكّي، ولدى من، لدى انفسنا او لدى اعدائنا. لقد حان الوقت – بل وتأخرنا في ذلك – لأن ننقل معاناتنا الى سائر شعوب العالم بما فيها الصديقة والعدوّة، والى سائر الاحزاب والجمعيات والمنظمات الدولية بما فيها هيئة الأمم المتحدة، لنكسب انصارا لقضيتنا العادلة، ولكن وقبل كل ذلك علينا ان نكون جديرين بهذه النصرة، بماذا؟ بتكاتفنا، بايماننا بقضيتنا، بايماننا بان الله سينصرنا ان انتصرنا نحن لأنفسنا.

عباس احمد :- كلمة اخيرة، ماذا لديك ؟ .

لديّ مثل ما هو لديك ولدى كل تركماني أبيّ يريد العزة والكرامة والعيش المشرّف لشعبه رغم اسراب الغراب التي تحلّق فوق رأسه وتنتظر هلاكه لتنهش من فريسته.

فاما ان ننهض ونطرد تلك الأسراب او ان نستسلم للقدر ونرضى بأن تنهش اسراب الغراب ووحوش الغابة لحومنا.

انها صرخة ممن قلبه ملئ بالجروح والالام، صرخة موجهّة بالأخص الى "شباب التركمان" فهل من مستمع؟ .

نشر في مجلة " توركمن ايلي " الادب والفن – العدد 66 الصادر في تمــوز 2013 الصفحات من 5 الى 8 .